خرج يشتري خبزًا لأولاده…

كتبت جودي الأسمر
يعمّ مدينة الميناء حزن كبير على مقتل ابنها طلال خربطلي (46 عامًا) غدرًا برصاص مجهولين اعترضوه ليل أمس في الشارع، فيما كان يستعد للعودة الى بيته بعد خروجه من الفرن حاملًا الخبز لأولاده.

تنضم هذه النهاية الظالمة الى أقدار مواطنين أبرياء مستورين يقضون يوميًا برصاص غادر على علم من الدولة اللبنانية كأنها لا تدري ولا ترى أي سلاح حوّل لبنان الى غابة فالتة، حيث الموت العبثي ورخص الإنسان أرسى معادلة بشعة تجعل “الدم بيصير مي”.
بعد الصلاة على المغدور ظهيرة اليوم وتشييعه الى مدافن الميناء الجديدة، تواصلت “النهار” مع شقيقه الحاج زياد الذي روى تفاصيل الحادثة “اشترى طلال الخبز من أفران “لبنان الأخضر” في شارع المئتين، وركب دراجته النارية ليتجه الى منزله قرابة الساعة التاسعة والنصف ليلًا، حين أطلق عليه النار ولاذ المعتدون بالفرار. نقله الصليب الأحمر الى مستشفى المظلوم وهو لا يزال على قيد الحياة لكن بحالة حرجة. حسب التشخيص الطبي، رصاصة اخترقت رئتيه واستقرت في قلبه الذي توقف عن الخفقان بعد ساعة ونصف الساعة، بعد أن قال للمحققين “الحرامية قوصوني”.
وطلال المعروف بـ”أبو طه” إنسان نظيف السمعة، يحبه الجميع لأدبه وأخلاقه المتعففة برغم أنه “كبر وحيدًا وعاش فقيرًا ومات مغدورًا”، مثلما يصفه شقيقه زياد بعدما أطلق تنهيدة وجع.

وينقل لنا أحد الأقرباء أنّ طلال حرم باكرًا حضن الأم وعاش بعيدًا عنها لطلاق والديه، وأوقف دراسته عند المرحلة الابتدائية بسبب فقره واضطراره للعمل باكرًا. متزوج ولديه أربعة أولاد هم طه ومحمد وهناء والطفل ابرهيم الذي تيتّم عن عمر سنة ونصف. كان يعمل ناطورًا في مدرسة “النصر” الرسمية القريبة من الفرن حيث لاقى حتفه، ويعيش في غرفة بداخل المدرسة مع أسرته. ويعمل بعد الدوام على سيارة أجرة عمومية ليؤمن ما استطاع بعرق الجبين لزوجته وأولاده.
أخلاقه وطيب معشره هما رأسماله. لم يحتَج طلال مالًا ولا علمًا ولا سلطة ليصنع بصمة ويجعل آخرون يتذكرونه بالخير عند رحيله. إذ يذكر أحمد عبدو، وهو أستاذ في المرحلة الثانوية، أنّه عرفه خلال إمتحانات الشهادة الرسمية حين كان يتردد إلى مدرسة النصر لتصحيح مسابقات الشهادة “كان شابا خدوما متحمسا ومطلعه بشوش، يسعى لإمدادنا بسبل الراحة، يحضر لنا القهوة والسندويش من كشك يستأجره ليسترزق في كل موسم. خبر محزن جدا هذا الرحيل.”

الغريب أن القتلة لم يسرقوا طلال قبل فرارهم هاربين، إشارة إلى أن “محفظة نقوده بقيت كما هي، ولم يسرقوا دراجته النارية ولا هاتفه الذي صار بعهدة المعلومات”، فيما صادرت قوى الأمن الداخلي كاميرات المراقبة في الشارع وتعرفت على السيارة حتى صباح اليوم لكن رقمها كان غير واضح بسبب الظلام الدامس “أي شوارع أصبحت شوارعنا حيث لا يوجد مصباح واحد للانارة؟” يستنكر شقيق المغدور، الّذي توجه صباح اليوم الى مخفر الميناء لتوقيع محضرالجريمة وقام برفع دعوى ضد “مجهولين”، لا يأمل بأنّهم سيلاقون عقابهم العادل على أيّ حال، متسائلا “ما الذي يجعل الدولة مستهترة الى هذا الحد ب#السلاح المتفلت الذي قضى على حياة شقيقي، ويحصد كل يوم أرواحًا بريئة؟ بتّ أشعر ألا أحد يحمينا لأنّ الدولة اللبنانية لا تريد أن تبسط سيطرتها على الأمن”، مستنتجًا أنّ “أي مواطن لبناني من كل الطوائف والمناطق سيلقى نفس المصير في ظل هذا الفلتان… الله يرحمك يا أخي