المسيحيون في لبنان خارج اولويات الكبار…فيدراليات بايدن لا تصرف!


لطالما ساد اعتقاد تأكدت صوابيته في مرحلة معينة ومفاده أن الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية أكثر حرصاً واهتماما بحماية المسيحيين في لبنان، ربما من منطلق دور الفاتيكان الأساسي لدى الدول الأوروبية والولايات المتحدة  لضرورة  الاهتمام بالوجود المسيحي في الشرق، فضلاً عن حث بابا الفاتيكان المسيحيين المشرقيين على البقاء في أوطانهم، لكن الواقع الراهن اليوم يوحي بعكس ما يروج له بعض المتأملين خيراً. فالسياسات الغربية تجاه لبنان اختلفت مع تسارع التطورات والمستجدات في المنطقة.




في الاونة الاخيرة، ارتفعت ريات الفيدرالية بعناوين مختلفة عند المسيحيين، ومرد ذلك، وفق ما طرحه بعض المفكرين، النظام المركزي الهجين الذي يُشعر المسيحيين بأنهم مطوقون من طوائف اخرى، في حين أن الذهاب نحو الفيدرالية من شأنه ان يبدد هواجسهم، حيث تظن القوى والاحزاب المسيحية بمعظمها أن طروحات المؤتمر التأسيسي وإدخال التعديلات على النظام السياسي من شأنها أن تأخذ البلد نحو المثالثة؛ وأبعد من ذلك تذهب هذه القوى بعيداً لتشدد على أهمية دعوة البطريرك الماروني بشارة الراعي المعنيين في لبنان إلى الالتزام بالحياد الايجابي من منطلق قلقه على مستقبل المسيحيين في لبنان، في ظل الانقسام اللبناني الحاد حيال السياستين الدفاعية والخارجية، وإلا فلنذهب إلى التقسيم المشرعن، أي ما يعرف باللامركزية الإدارية التي أكد عليها اتفاق الطائف، أو الفيدرالية.

فهل يستطيع المسيحيون في لبنان سلوك خطي الهجوم والدفاع لتطبيق الفيدرالية في لبنان من دون رافعة خارجية؟


مع فوز المرشح الديمقراطي جو بايدن بالانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة الاميركية، طرحت أسئلة كثيرة لا تزال من دون إجابات حول الاستراتيجية المحتملة لبايدن في الإقليم وفي بعض الدول العربية، لجهة العلاقة مع إيران، وملفي سوريا والعراق، خاصة وأن سيد البيت الأبيض كان قد اقترح في العام 2006 تقسيم العراق إلى ثلاثة أقاليم فيدرالية: إقليم للشيعة في الجنوب، وإقليم للسنة في غرب وشمال العراق، وإقليم كردي، وذكر حينذاك أن الدستور العراقي يشير إلى هيكلية فيدرالية، وأن العراق كان يسير نحو التقسيم أساسا وربما كخيار أخير.  وفي أيلول 2007، صوت مجلس الشيوخ بـ 75 مقابل 23، تأييداً لخطة الفيدرالية العراقية، حيث ذكر بايدن بنموذج البوسنة كمثال على نجاح فكرة الفيدرالية في تعزيز السلام


كل الاحتمالات مشروعة في المنطقة، لكن الأكيد أن وقائع جديدة ترسخت في الشرق الأوسط لا سيما منذ ما بعد الأزمة السورية ومشاركة روسيا وإيران و”حزب الله” إلى جانب النظام السوري في محاربة الارهاب، هذا فضلاً عن أن الديمقراطيين الذين كانوا يعارضون الانسحاب العسكري الأميركي من العراق وافغانستان، باتوا اليوم أقرب إلى سياسة عدم الإنخراط الكبير في قضايا الشرق الأوسط مع الاحتفاظ بقواعد عسكرية محددة في نقاط استراتيجية في سوريا والعراق، مع الاشارة إلى أن طرح بايدن في العام 2006 لتقسيم العراق كانت دوافعه  الرئيسية حجم الخسائر المادية والبشرية بصفوف القوات الأميركية بالعراق وبالاقتصاد الأميركي من جراء ما اصطلح على تسميته بحروب التحرير أو حروب العصابات منذ العام 2003.


لا شك في أن معطيات ذاك الزمن كانت لها ظروفها التي تبدلت عن معطيات الواقع الراهن. وبمعزل عن أن الكلمة الفصل تبقى للإدارة الأميركية في حل أزمات الشرق الاوسط عبر تسويات من هنا ومن هناك مع دول كبرى وإقليمية  من جهة وفرض عقوبات وضغوطات من جهة أخرى ، فإن ما يقف اليوم عائقاً أمام هذا الطرح، أن كلا من تركيا وسوريا وإيران ترفض نظام إدارة جديد للمناطق ذات الأغلبية الكردية بشمال سوريا، وكذلك روسيا لن تضيع ما حققته من انتصارات في سوريا ومكاسب استراتيجية، وبالتالي لن تتقاطع مع واشنطن على حساب مصلحتها في المتوسط، ولذلك فإن طروحات  التقسيم من شأنها أن تضع المنطقة  أمام مخاطر مواجهة جديدة


من هذا المنطلق، ولأن أي تقسيم في المنطقة لن يقتصر على دولة دون أخرى وأنه قد يبدأ بالعراق مروراً بسوريا وتركيا وصولاً إلى إيران والسعودية، فإن لبنان لن يكون بمنأى عن ذلك، بيد أن المشهد الفيدرالي في لبنان على وجه التحديد لا يملك ركائز ليبنى عليها أقله في الوقت الراهن، وبمعزل عن أن الشيعة في لبنان يسيطرون على الحدود الجنوبية والحدود الشرقية مع قوة مسلحة لا تحسب على مستوى قدرات لبنان إنما ما فوق لبنان (الجيش المصري – الجيش الجزائري) فضلا عن تواجدهم في جنوب لبنان وشرقه وفي قلب العاصمة، وأن طرح التقسيم قد لا يعرضهم لخطر التشرذم، فإن المعطيات الغربية تشير إلى أن الغطاء الغربي للدفع بلبنان نحو الفيدرالية معدوم وعلى وجه التحديد اميركيا. فواشنطن غير آبهة بالوجود المسيحي بلبنان وغير مكترثة له، وبالتالي فإن بقاء المسيحيين أو عدمه في لبنان أسوة بدول المشرق لا يشكل قضية مهمّة للإدارة الأميركية وكذلك لعدد كبير من الدول الأوروبية، وليست العقوبات على رئيس أكبر تكتل نيابي مسيحي إلا دليلا ساطعا على عدم الاكتراث بمصير المسيحيين في لبنان الذي بات منذ فترة طويلة خارج الأولويات الغربية