رواية إسرائيلية عن حضور أردوغان في لبنان: ما يجري مقلق


في وقت يعزز فيه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان نفوذه في الشرق الأوسط وشرق المتوسط، وتحديداً في سوريا وليبيا، يبدي مراقبون في الاحتلال الإسرائيلي تخوفاً مما تحمله الأيام المقبلة. وعلى الرغم من انطلاق قطار التطبيع العربي بما ينطوي عليه من تعاون في مجالات شتى، يتخوّف الإسرائيليون من انعكاسات توسع تركيا- العضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو) والمتقاطعة مصالحها مع إيران في مجالات عدة- فمن شأن النفوذ التركي المتزايد أن يخلط أوراق تل أبيب في سوريا ولبنان وفلسطين. ويوجه الإسرائيليون انتقادات لأردوغان على خلفية العلاقة الوطيدة التي تجمعه بإيران وحركة حماس والإخوان المسلمين، إلى جانب تنديده بالتوسع الاستيطاني ومواقفه المؤيدة والداعمة للقضية الفلسطينية.

في هذا الإطار، يواصل الإعلام الإسرائيلي الترويج للمخاوف من الدور التركي في المنطقة ومن نوايا أردوغان، فبعد التقارير التي حذّرت من توسع تركي في أفريقيا، وعن سعي لاعبين خليجيين إلى بناء تحالفات جديدة في مواجهة أنقرة، نشر السفير الإسرائيلي السابق لدى مصر، إسحاق ليفانون، مقالة في صحيفة “معاريف” الخميس، نبّه فيها من نشاط الرئيس التركي في لبنان بشكل خاص.

وتحت عنوان “نشاط أردوغان الزاحف خارج تركيا والآن في لبنان يجب أن يثير قلق جهات عديدة في الشرق الأوسط”، كتب ليفانون” يقول: “لا يكف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن مدّ أيادي الأخطبوط التركي إلى شتى أنحاء الكون من أجل تحقيق غايته، وهي تحوّل تركيا إلى دولة إقليمية عظمى يكون هو سلطانها حامل لقب “الباب العالي” كما كانت عليه الحال إبان حكم السلاطين العثمانيين الذين اتخذوا من إسطنبول مقراً لعروشهم”. وفي لمحة تاريخية سريعة، كتب ليفانون: “حتى سنة 1974 كان لتركيا وجود عسكري خارج حدودها في شمال قبرص فقط، عندما انفصل القسم التركي بالقوة من سائر مناطق هذه الجزيرة. لكن منذ تولي أردوغان زمام الحكم تغيرت الصورة وبات الوجود العسكري التركي في عدة أماكن مثيراً للانتباه، وفي الوقت عينه مثيراً للقلق. وحالياً يوجد لتركيا وجود عسكري أو مدني في كل من العراق، وسوريا، وليبيا، والصومال، وأذربيجان، وأفغانستان، وألبانيا، والبوسنة، وكوسوفو. وكان لها وجود في السودان، غير أن السودانيين تراجعوا وألغوا الإذن لها بمثل هذا الوجود. ويُعد هذا انتشاراً يمكن أن تتباهى به أي دولة إمبريالية أو كولونيالية”.

وبناء على هذه “المعطيات”، اعتبر ليفانون أنّه “يمكن القول إن آخر “رصيد” لأردوغان في هذا الشأن هو في لبنان”، إذ نقل عن جانا جبور، الخبيرة في الشؤون التركية في جامعة القديس يوسف في بيروت، قولها: “من أجل أن يحقق أردوغان تطلعه إلى الهيمنة الإقليمية يستخدم لبنان في إطار الدبلوماسية الإنسانية. وتقوم بأداء هذا الدور الوكالة التركية tika بالتعاون مع الصليب الأحمر التركي”.

وفي حين يؤكد الجانب التركي أن عمل “تيكا” إنساني وأنّه ليس “لجهاز المخابرات التركي في لبنان أدوات أمنية جدية وحقيقية” وأنّ أنقرة لا تبدي اهتماماً بلبنان بحجة أنّه “ليس لديه حدود مع تركيا، ناهيك عن أنّ اقتصاده ضعيف وهو في فالق الصراع الأميركي-الإيراني المباشر”، سلّط الديبلوماسي الإسرائيلي الضوء على الحضور التركي شمالاً.

وقال: “وتتركز تركيا في طرابلس في شمال لبنان وفي صيدا في جنوبه. وينطلق النشاط التركي من بلدة صغيرة بالقرب من منطقة الحدود السورية يقطنها سُنّة انتموا ذات مرة إلى الإمبراطورية العثمانية، ولديهم حنين إلى دولتهم الأم”.

وفي قراءته لانكفاء السعودية عن الساحة اللبنانية، قال ليفانون: “ويستغل أردوغان هذا من أجل أن يحل محلها. وهو يصعّد غزله للحريري، المكلف تأليف الحكومة اللبنانية المقبلة”؛ علماً أنّه سبق للجانب التركي أن علّق على الحضور التركي في لبنان متسائلاً: “إذا انكفأ العرب عن لبنان، لمذا يتدخل الأتراك؟”.

وتابع ليفانون: “ومن المفترض أن يكمل أردوغان إقامة مستشفى بتمويل تركي في صيدا، بينما يدفع قدماً بمشاريع جماهيرية في طرابلس تحت شعار: “نفعل ذلك مجاناً باسم الأخوة”. كما يتم إرسال شبان لبنانيين للدراسة مجاناً في تركيا ويحصل عدد منهم على الجنسية التركية. وثمة طابور طويل من المواطنين الذين يئسوا من أوضاع بلدهم ويطالبون بالهجرة إلى جارتهم في الشمال يصطف أمام باب السفارة التركية في بيروت. وتتجاوب تركيا مع طلباتهم بسخاء كبير. وفقط في سنة 2019 صودق على 10.000 طلب هجرة”.

في هذا الإطار، تناول ليفانون مخاوف أبناء الطائفة الأرمنية، قائلاً: “ويمكن القول إن هذا النشاط التركي الزاحف والواثق في لبنان يثير على نحو خاص الطائفة الأرمنية التي تقيم بلبنان منذ إبادة الشعب الأرمني بأيادي الأتراك في القرن الفائت. ونظراً إلى كون هذه الطائفة ذات نفوذ في البرلمان اللبناني فهي تبذل كل ما في وسعها لكبح مطامع تركيا في لبنان”.

في ما يتعلق بالمواقف الدولية من نشاط أردوغان المتزايد لا سيما بعدما وضع البعض الاندفاعة التركية لدعم لبنان عقب انفجار المرفأ في إطار الصراع التركي-الفرنسي على المتوسط، قال ليفانون: “في الوقت عينه لا يحظى هذا النشاط التركي برضى كل من السعودية، وفرنسا، وإيران”. وأضاف: الانطباع السائد هو أن أردوغان مستمر في محاولة بسط هيمنته. وفي إسرائيل يشعر المسؤولون بهذا الزحف التركي في القدس الشرقية”، علماً أنّ جمعيات خيرية تركية تنشط في الحرم القدسي الشريف.

وعليه خلص ليفانون محذراً: “ولا شك في أن هذا الانتشار الذي نجح أردوغان في تحقيقه يجب أن يقلق كل شخص في الشرق الأوسط. إن تأييد أردوغان لأيديولوجيا الإخوان المسلمين، وطريقة العمل التي يتبعها، والقائمة على فرض وقائع على الأرض، وتجاهُل الأطراف الأُخرى يجعل الوجود التركي في المناطق المذكورة أعلاه، والآن في لبنان، مثيراً للقلق الملموس الذي يجب إبداء الرأي حياله”.